أحمد بن محمد مسكويه الرازي
157
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
من أسفل على طريق التركيب ، فيسلك فيها إلى أن ينتهي إلى الغاية التي لحظت أولا : وهذا المعنى هو الذي أحوجنا في مبدأ هذا الكتاب وفي فصول أخر منه أن نذكر أشياء عالية ، لا تليق بهذه الصناعة ليتشوق إليها من يستحقها ، وليس يمكن الانسان ان يشتاق إلى ما لا يعرفه البتة ، فإذا لحظها من فيه قبول لها وعناية بها عرفها بعض المعرفة ، فتشوقها وسعى نحوها واحتمل التعب والنصب فيها . وينبغي أن يعلم كل انسان معد نحو الفضيلة ما فهو إليها أقرب ، وبالوصول إليها أحرى ، ولذلك ما تصير سعادة الواحد من الناس غير سعادة الآخر إلا من اتفق له نفس صافية وطبيعة فائقة ، فينتهي إلى غايات الأمور وإلى غاية غاياتها ، أعني السعادة القصوى التي لا سعادة بعدها ، ولأجل ذلك يجب على مدبر المدن « 1 » ان يسوق كل انسان نحو سعادته التي تخصه ، ثم يقسم عنايته بالناس ونظره لهم بقسمين : أحدهما في تسديد الناس وتقويمهم بالعلوم الفكرية ، والآخر في تسديدهم نحو الصناعات والأعمال الحسية . وإذا سددهم نحو السعادة الفكرية بدأ بهم من الغاية الأخيرة على طريق التحليل ، ووقف بهم عند القوى التي ذكرناها . وإذا سددهم نحو السعادة العملية بدأ بهم من عند هذه القوى وانتهى بهم إلى تلك الغايات . الخاتمة ولما كان غرضنا في هذا الكتاب السعادة الخلقيّة وان تصدر عنا الافعال كلها
--> ( 1 ) . يقصد ، الأمراء ، أو حكّام المدن ، وفي العصر الحاضر مثل محافظ المدينة ، أو المسؤولين عنها .